ads
ads

بوعزيزي الصعيد.. قصة شاب مصري أشعل النار بجسده بسبب «موظفين لا يشبعون»

الشاب بعد إشعال النار في نفسه
الشاب بعد إشعال النار في نفسه
أحمد عمران

وقعت حادثة مفجعة بمحافظة سوهاج بصعيد مصر، قام خلالها شاب عمره 30 عاماً بإشعال النار في جسده، بعد أن أزالت السلطات المحلية جزءاً من مطعم يقوم بتأسيسه لوجود مخالفة به. 

ويرقد الشاب في المستشفى حالياً في حالة خطرة، بينما تتهم أسرته المحافظ والمسؤولين المحليين بالتعنُّت معه، وإزالة حلم عمره، رغم أنه حاصل على الموافقات اللازمة، وهو ما تنفيه السلطات.

بعد 13 عاماً من الغربة، قرَّر الشاب الثلاثيني علاء شلبي مغادرة ليبيا المضطربة والعودة لبلاده مصر، للبدء في مشروع يعيش منه وينفق على إخوته وأسرته، شجَّعه على ذلك عرض قدمته له والدته بأن تتخلى عن شقتها التي تقع بالدور الثاني للمنزل الذي تمتلكه الأسرة، لكي يقيم بها مطعماً.

وبعد أن دفع علاء كل ما يملك هو وشركاؤه، جاءت المحافظة وهدمت ذلك الحلم "لوجود مخالفة"، كما قال محافظ سوهاج، بينما تنفي والدته ذلك. 

علاء لم يتمالك نفسه وهو يرى كل ما يملك وسهر وتعب السنين قد تحطم على الأرض، ووالدته العجوز تتوسل للمحافظ لكي يوقف هدم المخالفة، ويطلع على ما لديهم من أوراق تثبت حصولهم على الموافقات اللازمة للمشروع، فسكب على نفسه مواد بترولية وأشعل النيران في جسده، حسبما ذكرت عائلته.



أخي ليس لِصاً


"لسنا أعداء، نحن مواطنون لنا حقوق وأخي ليس لصاً".. هكذا أخذت أخته عبير تردد في اتصال مع "هاف بوست عربي". 

وقالت إذا افترضنا أن هناك مخالفة لا تتجاوز السنتيمترات، لماذا لم يتحدث أحد مع أخي قبل الهدم، لماذا لم يطالبوه بإزالة المخالفة، ويعطونه مهلة إما بإزالتها بنفسه أو عن طريقهم، "كان يستطيع المحافظ بنفسه التأكد من التزامه، لأن المحل في خط سيره يومياً".

وأضافت أن المحافظ هو من يحافظ على الشباب ويوفر لهم فرصة عمل ويساعدهم، وليس يقتلهم ويقتل حلمهم، مشيرة إلى أَن شاباً في ظروفه، خسارة أي مبلغ مالي تعد عبئاً كبيراً عليه.


بداية الحلم


عبير قالت إن علاء شقيقها الأكبر، يعول أسرة مكونة من أب وأم وعشرة إخوة، بالإضافة لزوجته ووالديه، ولذلك قضى نصف عمره في الغربة، وبعد سوء الأحوال في ليبيا طلبت منه والدتي العودة لمصر، ووعدته بأنها ستترك له شقتها وتبني حجرتين على السطح تعيش بهما ويقيم هو مشروعاً في الشقة ينفق منه على الأسرة.


وتابعت: "بدأ أخى الإعداد لتأسيس مطعم كبير هو وصديقه، ودفع مبلغاً مالياً لأحد شاغلي المحلات بالدور الأرضي وأخذه وفتح الدور الأول حيث توجد المحلات، والثاني حيث توجد شقة والدته معاً، ولكن الحي -الجهة التابع لها الشارع- جاءت وهددته بالهدم". 

وأضافت أنه في المقابل طالبه رئيس الحي برشوة عبارة عن بطارية لسيارته تكلفت 4 آلاف جنيه، "بعد شرائها أعطونا ورقة وقالوا إنها التصريح، وعاد أخي لإكمال التجهيزات ليفاجأ منذ 3 شهور بقوة تهدم ما نفَّذه، وحينما أظهر لهم التصريح الذي حصلنا عليه من الحي أخبروه أنه بلا فائدة، ولا بد من تصريح آخر".

وبعدها بدأ يذهب مع والدته للجهات المسؤولة لإنهاء التصريح -لأن البيت باسم والدته- التي أخذت تتوسل للمسؤولين لإنهاء الإجراءات، وبعد توسلات تم إنهاء التصريح بدفع مبالغ رِشا أقل من التي طلبوها في البداية، حسب شقيقته.

وأضافت، بدأ علاء إعادة إصلاح ما تم هدمه، وبدأ في تجهيز "لافتة المحل"، وهو ما استلزم منه دخول شريك ثالث في المطعم، واقترض أموالاً من أشخاص ووقَّع شيكات على نفسه، ليصل حجم إنفاقه على المطعم هو وشركاؤه لنصف مليون جنيه (27.7 ألف دولار)، وذلك لكي يكون المطعم في مستوى جيد.

تفاصيل الواقعة

تقول شقيقته ليلة الحملة، 12 يونيو/حزيران 2017، كان علاء يسهر مع صديقه لإنهاء التجهيزات، وفي الصباح فوجئ بقوة أمنية معها "ونش" (رافعة) متجهة ناحية المطعم، وحاول التفاهم معهم، وإخبارهم أن معه تراخيص، أو سؤالهم عن المشكلة ولكنهم لم يستمعوا له، وهدموا واجهة المطعم، ليدمر نهائياً، و"جاءت والدتي من شقتها على الأصوات في الشارع وهي تصرخ".

وتابعت عبير أن والدتها وقفت أمام "الونش"، وأخذت تتوسل للمحافظ الذي كان يجلس في سيارته يشاهد المشهد ويقول لرجاله "شيل يا ابني شيل يا ابني"، لكي يوقف هدم "شقا عمر أخويا"، حسب تعبيرها، والذي استثمر فيه كل ما يملك من أموال، وفي تلك الأثناء نظرت في الجهة الأخرى فوجدت أخي تحول لكتلة نيران تتحرك في الشارع، ففر المحافظ هارباً ورجال الحملة، خوفاً من أن يحتضن أخي أحدهم.

إهمال حالته

عبير زعمت أن هناك عدم اهتمام بحالة شقيقها، وبعد مناشدة لعدد من رجال الأمن الذين زاروه تم تحويله إلى مستشفى أسيوط، واعتبرت أن الوضع لم يختلف كثيراً من حيث الرعاية، مناشدة المسؤولين بتحويله لمستشفى عسكري. 

وطالبت بمحاكمة المحافظ وتعويض أخوها مادياً عن الخسائر التي لحقت بمشروعه، وتساءلت: "لماذا نتعامل مع شباب البلد كأنهم أعداء؟" ولماذا لم يعامله المحافظ كأحد أبنائه يساعده بدلاً من أن يضيع أو يدمر مستقبله؟ حسب قولها.


المحافظ حزين


من جانبه، قال الدكتور أيمن عبدالمنعم محافظ سوهاج، إنه "زعلان (حزين) من إن ابننا يعمل كده في نفسه"، مشيراً إلى أنه يفترض أنه يعرف من الإزالة السابقة التي تمت لذات المخالفة أنه لا يمكن التغاضي عن هذه المخالفة.

وأوضح في مداخلة هاتفية مع أحد البرامج التلفزيونية، أنه ذهب للمكان مع لجنة للشؤون القانونية والمتابعة، الذين أكدوا له أن علاء لديه مخالفة "بروز" تمت إزالتها مسبقاً، في شهر فبراير/شباط 2017، ولكنه أعادها مرة ثانية، فصدر له إنذار ثم قرار إزالة، لأن تلك المخالفة ليس بها توفيق أوضاع. 

وأضاف المحافظ أنه أثناء حديثه مع الناس في الشارع فوجئ بأحد رجاله يخبره أن علاء أشعل النيران في نفسه، فاتصل بالإسعاف، وبعميد مستشفى سوهاج الجامعي، وطالبه بمعالجته على نفقة الدولة، وهذا ما نفته شقيقة علاء، التي أكدت أن المحافظ فرَّ هارباً عندما رأى النيران تشتعل في شقيقها، كما أن المستشفى الذى يعالج فيه علاء هو مستشفى حكومي. 

وقال المحافظ في المداخلة، إنه لم يتم إزالة المحل بالكامل بل البروز الذي يخرج من المحل، وهو ليس مبنياً من الطوب، بل من الحديد، مشيراً إلى أنه سبق أن قامت الجهات المختصة بإزالة هذا البروز، ولكنه أعاد إنشاءه.

وذكر أنه، في مارس/آذار 2017، أعاد علاء بناء المخالفة، فصدر بحقه قرار إيقاف أعمال ثم قرار إزالة البروز، مشيراً إلى أن السلطات ليست لها علاقة بالمحل الموجود داخل مبنى تمتلكه هذه الأسرة، مؤكداً أن المحل سليم.

وأوضح أن اللجنة المعنية أبلغته أن المخالفة في البروز مقدارها متران عرضاً في 12 إلى 15 طولاً، خارج خط التنظيم، وهذا النوع من المخالفات لا يجوز فيه التوفيق، وتساءل لماذا تمسّك علاء بهذه المخالفة.

لا يشبعون من الرشاوى


أما والدة "علاء" فردت على المحافظ في المداخلة ذاتها، نافية أن تكون هناك أي مخالفة، وأن كل ما في الأمر هو أن الجهات المسؤولة عن التراخيص لا تتوقف عن طلب الرشاوى، وقالت باللهجة المصرية "مش شبعانين رشاوى وفلوس". 

وقالت إن ابنها أشعل النار في نفسه عندما رأى المحافظ والحرس المحيط به يقولون لها "إمشي يا ست" (ابتعدي).

وتحتل مصر المرتبة 108 من بين 179 دولة، في تقرير منظمة الشفافية الدولية السنوي، بشأن الفساد.


لماذا تنتشر هذه الظاهرة؟


وواقعة إضرام النيران فى الجسد أصبحت تتكرر في مصر بالفترة الأخيرة، لعدة أسباب مختلفة، منها الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها المصريون، وأحياناً يكون إشعال النيران تعبيراً عن الاعتراض على ظلم وقع على أحد الأشخاص، وكأن سكب البنزين أصبح طريقة المصريين للتعبير عن الغضب ورفض الظلم!

يوم الخميس، 8 يونيو/حزيران 2017، أشعل موظف بشركة مصر للتأمين النار في نفسه، داخل مبنى الشركة، محاولاً الانتحار، بسبب نقله من الإدارة الطبية إلى إدارة شؤون العاملين بالشركة، وتم نقله إلى مستشفى قصر العيني في حالة حرجة. 

وأوضح الشهود أن الموظف متضرر من قرار نقله -منذ 4 أيام- بالإضافة إلى وجود خلافات بينه وبين زوجته، وبمعاينة مكان الواقعة تبيَّن وجود آثار حريق في الكرسي -مكتب المجني عليه- وعُثر على "وعاء" بلاستيك تفوح منه رائحة بنزين. 

وقبل ذلك بعدة أيام، في مايو/ أيار 2017 أشعل فرد أمن خاص، النار بنفسه لمروره بضائقة مالية بمحافظة الجيزة وسط القاهرة. وكشفت تحريات النيابة أن المصاب أشعل النار بنفسه، محاولاً الانتحار بسبب مروره بضائقة مالية. 

وفي إبريل/ نيسان 2017، أشعل مواطن في شرم الشيخ بجنوب سيناء، اليوم، النار في نفسه داخل إحدى محطات الوقود، لمروره بضائقة مالية.

نقلاً عن هاف بوست