ads
ads

«فتنة فوائد البنوك» تجدد الصراع بين «الطيب» والدولة

الطيب - أرشيفية
الطيب - أرشيفية
أحمد بركة


جدد الإمام الأكبر الدكتور، أحمد الطيب، شيخ الأزهر، الخلاف حول «فوائد البنوك»، وشهدت الساحة الدينية جدلا واسعًا، خلال الأيام الماضية، عقب خروج تصريحات مثيرة لـ«الطيب»، قال خلالها، إن «الربا» من المعاملات المحرمة «شرعًا» بجميع اتفاق العلماء؛ لوجود النصوص الشرعية الثابتة التي لا تقبل الاجتهاد.

وأضاف «شيخ الأزهر» خلال حلقة برنامج «الإمام الطيب»، أنه حتى الآن لم يتم الاتفاق على إباحة المعاملات البنكية الحديثة، فالبعض يرى أنها «ربا»، والبعض يؤكد أنها «حلال».

وكشف الإمام الأكبر، أنه حينما كان مفتيًا لدار الإفتاء، كانت تأتي إليه كل أسبوع فتوى عن حكم «فوائد البنوك»، مضيفًا: اضطررنا إلى أن نفتي للسائل «إذا أودعت أموالك بنية أنك تقرضها للبنك وتحصل منه على فائدة فهذا حرام لأنه يكون ربا، أما إذا كنت تستثمرها في البنك وتعتبره شريكًا فيكون حلالًا»، مشيرًا إلى أن هذا رأي دار الإفتاء المصرية إلى وقتنا الحالي، ولكن هناك مجامع فقهية في دول أخرى ترفض الفتوى وترى أن المعاملات البنكية «ربا». 

وألمح «الطيب»، إلى أن قضية المعاملات البنكية أصبحت «صراعًا فقهيًا»، وأعتقد أن الله سبحانه سيحاسبنا يوم القيامة على الاضطراب الشديد في مجال الفتوى الذي يعاني منه المسلم الآن.

كلام «الطيب» فتح الحديث بين المؤيد والرافض لقضية «فوائد البنوك»، وطالب العلماء بضرورة حسم هيئة كبار العلماء الجدل، حول هذا الأمر، بعد حديث «الطيب» الأخير، والذي تسبب في إثارة التيارات السلفية للقضية من جديد والخروج بفتاوى تؤكد تحريم فوائد البنوك مستندين لرأى الدكتور الطيب الأخير، كما أن فتوى الطيب قد تعيد مجددًا الخلاف بين الدولة والأزهر، حيث إن تلك الفتوى قد تتعارض كثيرًا مع مصلحة الدولة، والأزمة الاقتصادية التي تم بها. 

حديث «الطيب» عن فوائد البنوك جاء متعارضًا تمامًا لـ«فتاوى دار الإفتاء» التي أجازت الفوائد تمامًا، فقد أكد الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية، أن القرض المحرم هو الذي يستغل حاجة الناس، أما البنك، فلا، لأن البنوك لا تحتاج استغلال الناس، فالعبرة في العقود للمعاني وليس للألفاظ، فالعلاقة ليست علاقة قرض بين البنك والمودع، بل هي استثمار، إذن ما يأخذه العميل في إطار الربح حلال، منوهًا إلى أن فقه التعامل المالي احتل دراسة واسعة عند فقهاء المسلمين، وانتهوا إلى وضع قواعد محددة في التعامل مع البنوك، داعيًا المواطنين إلى تقديم المصلحة العليا للبلاد بما لا يتعارض مع الشرع.

كما كان للدكتور نصر فريد واصل، المفتي الأسبق، فتوى أخرى لـ«فوائد البنوك»، حيث أكد أنه يمكن الحكم بأن فوائد البنوك «ربا»، إذا كانت في غير طريق الاستثمار وأخذت سلفًا ومسبقًا، أما إذا كانت في طريق استثمار حقيقي ودراسة جدوى، والعائد يأتي بعد أن يتحقق الربح ويقسم على حسب المتفق عليه فهذا جائز شرعا.

وأشار مفتي الجمهورية الأسبق، إلى أنَّ التحديد المسبق للفائدة معناه إشارة إلى العائد الذي سيأتي يكون في حدود ما تم الاتفاق عليه، ولكن يأخذه المودع بعد أن يحدث الربح فعلا، وشدد على ضرورة التفرقة بين الاقتراض بهدف الاستثمار، والاقتراض للاستهلاك؛ فالأول يدفع الربح من الاستثمار تكون الفائدة حلال لا جدال فيها، وفي الثانية يجب التفريق بين الضرورة والحالات الطبيعية، فإن اقترض لضرورة شراء مسكن يأويه لأنه حياته مهددة، فهذا ينطبق عليه قول الله تعالي " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ"، أما إذا كان الاقتراض بهدف الرفاهية هناك كلام آخر.

الغريب في الأمر أن قضية فؤاد البنوك عليها خلاف كبير بين أعضاء هيئة كبار العلماء أنفسهم، فالدكتور أحمد عمر هاشم، يطالب بضرورة وضع المال في البنوك الإسلامية، لتجنب الشبهات والآراء التي تحرم وتجيز «فوائد البنوك».

تاريخيًا اختلف العلماء المعاصرون عبر عقود ماضية في حكم التعامل مع البنوك‏‏، ففي سنة ‏1903‏ ألفت الحكومة المصرية لجنة من علماء الأزهر؛ لدراسة موقف الشرع من حوافز أو مكافأة التوفير في صندوق توفير البريد‏،‏ وصدر نتيجة لهذه الدراسة،‏ نظام خاص لهذا النمط الجديد من أنماط الادخار والاستثمار‏.‏

وبعرضه علي الإمام الشيخ‏‏ محمد عبده بصفته وقتئذ مفتي الديار المصرية‏،‏ وافق عليه مؤكدا قوله إن الحكمة في تحريم الربا ألا يستغل الغني حاجة أخيه الفقير‏،‏ بخلاف المعاملة التي ينتفع ويحرم فيها الآخذ والمعطي‏،‏ والتي لولاها لفاتتهما المنفعة معا‏،‏ فإنها لا تدخل في معني «الربا» المحرم شرعًا.

وفي هذا السياق سار فضيلة الإمام الأكبر،‏ محمود شلتوت، شيخ الأزهر الأسبق‏، «راحل»،‏ مؤكدا شرعية فوائد «دفاتر توفير البريد»‏.‏
وفي التسعينيات من القرن الماضي‏،‏ أفتى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي، وقت أن كان مفتيا لجمهورية مصر‏،‏ بشرعية عوائد شهادات استثمار البنك الاهلى المصري‏،‏ حيث إنها تمثل مدخرات المجتمع‏،‏ وهي بنص قانونها لا تستثمر إلا في التنمية الاقتصادية للوطن‏،‏ وبعائد مضمون من الدولة‏، ففيها النفع الكبير لكل من الدولة وصغار المدخرين‏. 

وفي ‏28‏ نوفمبر سنة ‏2002‏، أصدر مجمع البحوث الإسلامية‏،‏ وهو أكبر مرجعية إسلامية في العالم‏،‏ فتواه بشأن شرعية العوائد التي تؤديها البنوك إلى الأفراد الذين يقدمون أموالهم ومدخراتهم لاستخدامها واستثمارها لحسابهم في معاملات مشروعة‏،‏ وقد جاء بها أن الذين يقومون بتقديم أموالهم ومدخراتهم إلى البنك ليكون وكيلا عنهم في استثمارها في معاملاته المشروعة‏،‏ مقابل ربح يصرف لهم ويحدد مقدما في مدد يتفق مع المتعاملين معه عليها‏،‏ فإن هذه المعاملة بتلك الصورة حلال ولا شبهة فيها‏،‏ حيث لم يرد نص في كتاب الله أو السنة النبوية يمنع هذه المعاملة‏،‏ والتي يتم فيها تحديد الربح أو العائد مقدما‏،‏ مدام الطرفان يرتضيان ذلك‏،‏ وتعود عليهما بالنفع.

فتوى الشيخ «جاد الحق على جاد الحق»، شيخ الأزهر الراحل، بتحريم عائد البنك، نشرت في كتاب «فتاوى دار الإفتاء لمدة مائة عام».
وفي فتوى ثانية له، رأى «جاد الحق» أن الفائدة المحددة التي تصرفها البنوك نظير إيداع الأموال بها هي من قبيل ربا الزيادة المحرم شرعا، ولا فرق في حرمة التعامل بالربا بين الأفراد والجماعات، أو بين الأفراد والدولة.

ويحرم «التيار السلفي» داخل الأزهر فوائد البنوك بشكل نهائي، ويرى الدكتور محمد بدر، أستاذ الدعوة الإسلامية بـ«جامعة الأزهر»، أن الربا محرم من عند الله تعالى، وجعل آكله محاربا لله ملعونا مطرودا من رحمة الله، قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون».

وأكد «بدر»، أنه لا يجوز لمسلم أن يضع أمواله في بنوك ربوية إلا أن يكون مضطرا لذلك، كأن لا يوجد في بلده مصارف إسلامية ويخشى على أمواله الضياع والهلكة أو أن يكون له مرتب أو مستحقات لا يمكنه استلامها إلا من خلال البنك، فيضطر إلى فتح حساب في البنك الربوي، ففي هذه الحالة يجوز له ذلك لكن يجب عليه أن يفتح حسابًا جاريًا بغير فوائد، فإن كان نظام البنك لا يسمح إلا بصرف فائدة على كل حساب، فحينئذ له أن يأخذ هذه الفوائد، لكن لا ينفقها على نفسه ولا على عياله، بل ينفقها على الفقراء والمحتاجين، أو المصالح العامة، لا على سبيل الصدقة، ولكن على سبيل التخلص من المال الحرام.