ads
ads

«روشتة» الخلفاء الأربعة إلى «الحكومة» لحل أزمة ارتفاع الأسعار

غلاء الأسعار
غلاء الأسعار
أحمد بركة


يعاني الشعب المصري من أزمة معيشية طاحنة، نتيجة فشل الحكومة في وقف «غول» ارتفاع الأسعار على مدار السنوات الثالثة الماضية، وحتى الآن.


وأدى قرار «تعويم الجنيه» إلى زيادة الأزمة الاقتصادية للدولة، في الوقت الذي تكتفي فيه الحكومة، بتبرير الفشل عن طريق حجج وهمية، واللجوء إلى تدابير قاسية لسد العجز في الموازنة العامة للدولة عن طريق زيادة الضرائب، وأسعار فواتير الكهرباء والمياه والمواد البترولية.


وخلال السطور التالية نستعرض حلول الشريعة الإسلامية لإنهاء الأزمة الاقتصادية، عن طريق نماذج قام بها الخلفاء الراشدون في بداية عهد الدولة الإسلامية لحل الأزمة ليكون ذلك مجرد استرشاد للحكومة ووزارة المالية والمجموعة الاقتصادية.


يقول الدكتور محمود سعيد، عضو رابطة الأزهر، إن الدولة الإسلامية في بداية عهدها كانت تمر بظروف اقتصادية صعبة أشد من الظروف الحالية لمصر، ولكن قام الخلفاء الراشدين وعلى رأسهم أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، باتباع بعض التدابير المالية بخصوص النواحي الاقتصادية بالمدينة المنورة، ومن أهم تلك التدابير: تحديد العطاء للخليفة وضوابطه من خلال مراقبة دقيقة لأهل العقد والحل، وما ينفق من أموال للخليفة الذي تساوى مع عامة الناس من حيث القوت اليومي والملابس التي تصرف له؛ فكان يحصل على «كسوة واحدة» للصيف والشتاء، مشيرًا إلى أنه في عهد عمر بن الخطاب، جاء عنه، أنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتين: حلة للشتاء وحلة للصيف، وما أحج به وأعتمر، وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين.

وقال له علي بن أبي طالب بهذه المناسبة: «لك من هذا المال ما يقيمك ويصلح عيالك بالمعروف وليس لك من هذا المال غيره».


وتابع: وفي ذلك تذكير لأمير المؤمنين بأن له الحق في مال المسلمين في حدود ما يعينه على أداء وظيفته، ويلبي حاجات أهله بالمعروف، وليس له أن يطمع في المزيد؛ فالصحابي من خلال هذا الموقف حاول إظهار الضوابط الواجب فرضها على راتب الحاكم، وبالتالي تقنين سلطة أولي الأمر في المال العام، منوهًا إلى أن يد ولي الأمر غير مطلقة في المال العام؛ فهو فيه بمنزلة الأجير، وفي هذا الصدد قال أبو بكر في مرض موته: «إني ما أصبت من دنياكم في مال الله، وفيء المسلمين مقام الوصي في مال اليتيم، إن استغنى تعفف، وإن افتقر أكل بالمعروف».


وأضاف الدكتور محمود سعيد، أنه قرر الصحابة مراقبة الدولة في التصرف في المال العام إلى حد أن عمر بن الخطاب وأبا ذر الغفاري لم يحبا أن يوصف المال العام بأنه مال الله، وآثرا تسميته بمال المسلمين، وتقرر حق مراجعة مخصصات الولاة الفرعيين، حيث أكد أهل الحل والعقد حقهم في مراجعة المخصصات التي يحددها الخليفة لأمرائه إذا تعارض هذا التحديد مع متطلبات دعم التوافق بين الدولة والمجتمع، من ذلك مناشدة أبي موسى الأشعري، أشراف البصرة أن يكلموا عمر بن الخطاب في زيادة مخصصاته من بيت المال، فكلموه في ذلك، فقال: «يا معشر الأمراء أما ترضون لأنفسكم ما أرضاه لنفسي»، ومن الأساليب الأخرى أيضًا توظيف الأموال في الوصول بالمجتمع إلى حد الكفاية، بحيث تستأصل في المجتمع الإسلامي ظاهرة الفقر النابعة من الفوارق الاجتماعية الكبيرة، فعلى الرغم من أن الله فضل الناس بعضهم على بعض في الأرزاق، إلا أنه جعل للفقير حقا معلوما في مال الغني بشكل يحقق التوازن في المجتمع تحت رعاية الدولة، وهنا ذهب ابن حزم إلى أنه يجب على الأغنياء في كل بلد أن يقوموا بكفاية فقرائهم إذا لم تكف الزكاة، وأن يجبرهم السلطان على ذلك إن لم يقوموا به، فقال: «وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين بهم فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه».


ويرى الشيخ عبد الحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوى السابق، أنه من أساليب تدبير العجز في موازنة الدولة كما فعل الصحابة هو التسوية بين الناس في العطاء من المال العام، فقد قال أبو بكر الصديق: «المعاش التسوية فيه خير»، وعمل أبو بكر بمبدأ التسوية رغم أن نصيب كل شخص في العطاء كان قد بلغ نصف دينار فقط، وسار على نفس النهج عمر بن الخطاب فقال في هذا الصدد: «إني حريص على ألا أرى حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف».


وتابع: وحتى حين يكثر المال، فإن الدولة في النظام الإسلامي تظل راعية وليست خازنة له، بحيث توزع على المجتمع كل الموارد الزائدة عن متطلبات تسيير أداة الحكم والمرافق العمومية.


ويذكر في هذا الشأن أن «عليا» لم يكن يترك شيئا في بيت المال لأكثر من عام، وكان عمر يقول: «ما زاد المال لأعدنه لهم عدا وإن أعياني لأكيلنه لهم كيلا فإن أعياني حثوته بغير حساب»، وأكد ذلك عثمان بقوله: «إن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة».


وأشار إلى أن الإسلام والخلفاء وضعوا روشتة لحل الأزمة الاقتصادية لمصر حاليا من بينها الرفق بالرعية في تحصيل الأموال، ولم ينحصر مبدأ رعاية الدولة في المجال المالي بالتوزيع بل شمل أيضا الجباية، فهذا علي بن أبي طالب يوصي عامله على الخراج قائلا: «إذا أقدمت عليهم فلا تبيعن لهم كسوة شتاء ولا صيف ولا رزقا يأكلونه ولا دابة يحملون عليها ولا تضربن أحدا منهم سوطا واحدا في درهم ولا تقمه على رجله في طلب درهم ولا تبع لأحد منهم عرضا في شيء من الخراج، فإنا إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك الله به دوني، وإن بلغني خلاف ذلك عزلتك»، فعقب عليه العامل الذي وجهت إليه التعليمات بقوله: «إذن أرجع إليك كما خرجت من عندك»، فقال علي: «وإن رجعت كما خرجت»، كما أن عثمان بن عفان ترك أمر دفع الزكاة للوازع الذاتي لدافعيها فقال: «هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده وليزك بقية ماله».


وأضاف «الأطرش»، أن هناك تشريعات قانونية قام بها الصحابة لتوظيف المال العام واستثماره في مشاريع اقتصادية تعود بالنفع على المجتمع، ومن بين تلك التشريعات: حق أولي الأمر وأهل الحل والعقد في تنظيم طريقة الانتفاع بالمال، إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة بشرط أن تعوضه عن ملكية المنفعة تعويضا مناسبا غير مجحف، بل يتدخلون في تنظيم النشاط الاقتصادي للأمة وفقًا لـ«الأحكام الشرعية».